ابن قتيبة الدينوري
193
تأويل مشكل القرآن
وعشرون منزلا عندهم ، من أول الشهر إلى ثمان وعشرين ليلة منه ثم يستسرّ . وهذه المنازل هي النجوم التي كانت العرب تنسب إليها الأنواء . وأسماؤها عندهم الشّرطان والبطين ، والثّريّا ، والدّبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذّراع ، والنّثرة ، والطّرف ، والجبهة ، والزّبرة ، والصّرفة ، والعوّاء ، والسّماك ، والغفر ، والزّباني ، والإكليل ، والقلب ، والشّولة ، والنّعائم ، والبلدة ، وسعد الذّابح ، وسعد بلع ، وسعد السّعود ، وسعد الأخبية ، وفرغ الدّلو المقدّم ، وفرغ الدّلو المؤخّر ، والرّشا وهو الحوت . وإذا صار القمر في آخر منازله دقّ حتى يعود كالعرجون القديم وهو العذق اليابس . والعرجون إذا يبس دقّ واستقوس حتى صار كالقوس انحناء ، فشبّه القمر به ليلة ثمانية وعشرين . ثم قال سبحانه : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ يريد : أنهما يسيران الدّهر دائبين ولا يجتمعان ، فسلطان القمر بالليل ، وسلطان الشمس بالنهار ، ولو أدركت الشمس القمر لذهب ضوؤه ، وبطل سلطانه ، ودخل النهار على الليل . يقول اللّه جل وعزّ حين ذكر يوم القيامة : وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 9 ) [ القيامة : 9 ] وذلك عند إبطال هذا التدبير ، ونقض هذا التأليف . وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يقول : هما يتعاقبان ، ولا يسبق أحدهما الآخر : فيفوته ويذهب قبل مجيء صاحبه . وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أي : يجرون ، يعني الشمس والقمر والنجوم . في سورة المرسلات انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ( 33 ) [ المرسلات : 29 ، 33 ] . هذا يقال في يوم القيامة للمكذبين ، وذلك أن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق ، وليس عليهم يومئذ لباس ، ولا لهم كنان ، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم ، ومدّ ذلك اليوم عليهم وكربه ، ثم ينجّي اللّه برحمته من يشاء إلى ظلّ من ظلّه ، فهناك يقولون : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) [ الطور : 27 ] ويقال للمكذبين